عبد الملك الثعالبي النيسابوري

298

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

فصل في ذكر الأقدار للّه تعالى أقدار ترد في أوقاتها ، وقضايا تجري إلى غاياتها ، لا يرد شيء منها عن شأوه ومداه ، ولا يصد دون مبلغه ومنحاه ، فهي كالسهام التي لا تثبت في الأغراض ، ولا ترجع بالاعتراض . والناس فيها بين غبطة يجب الشكر عليها ، ورزية يوثق بالعوض عنها . فصل في ذكر الشكر والكفر للنعم شروط من الشكر لا تريم ما وجد ، ولا تقيم ما قعد . وكثيرا ما تسكر الواردين حياضها ، وتغشى عيون المقتبسين إيماضها ، فيذهلون عن الامتراء لدرتها ، ويعمهون عن الاستمتاع بنضرتها . ويكونون كمن أطار طائرها لما وقع ، ونفر وحشيها لما أنس ، فلا يلبثون أن يتعروا من جلبابها ، وينسلخوا من إهابها ، ويتعوضوا منها الحسرة والغليل ، والأسف الطويل . فصل عن بختيار إلى سبكتكين الغزني ليت شعري بأي قدم تواقفنا وراياتنا خافقة على رأسك ومماليكنا عن يمينك وشمالك ، وخيلنا موسومة بأسمائنا تحتك ، وثيابنا المنسوجة في طرزنا على جسدك ، وسلاحنا المشحوذ لأعدائنا في يدك . فصل له إليه أيضا لم يدر في خلده أن مثل إحسانه إليك يكفر ، ومثل متجره فيك يخسر وقد جذب بضبعك من مطارح الأرقاء العبيد ، إلى مراتب الأحرار الصيد . فصل إليه أيضا تناولتك الألسن العاذلة ، وتناقلت حديثك الأندية الحافلة ، وقلدت نفسك عارا لا يرحضه الاعتذار ، ولا يعفيه الليل والنهار .